الشيخ محمد رشيد رضا

195

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

المائدة ( ص 312 - 338 ج 6 تفسير ) ( ثالثها ) أن الإسرائيليين قد عظم ملكهم بإقامة شريعتهم بقوة حتى إذا غلب الغرور على العمل وظنوا ان اللّه تعالى ينصرهم ويؤيدهم لنسبهم ولقبهم وهو « شعب اللّه » فسقوا وظلموا ، فانزل اللّه بهم البلاء ، وسلط عليهم البابليين الأقوياء ، فنلوا عرشهم وتبروا ملكهم ، ثم تابوا إلى رشدهم ، فرحمهم اللّه وأعاد لهم بعض ملكهم وعزهم ، ثم ظلموا وأفسدوا فسلط عليهم النصارى فمزقوهم كل ممزق ، فظلوا عدة قرون متكلين على المسيح الموعود ليعيد لهم ملكهم بخوارق العادات ، ثم ربتهم الشدائد ونورهم العلم العصري فطفقوا يستعدون لاستعادة هذا الملك بكل ما في الامكان من الأسباب وفي مقدمتها المال والنظام والكيد والدهاء مع المحافظة على التقاليد الدينية في ذلك حتى انتهى بهم السعي إلى استخدام الدولة البريطانية بما فصلناه في بيان العبرة في قوله تعالى ( 136 وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها ) من هذه السورة ( ص 97 ج 9 ) ( رابعها ) ان المسلمين الذين اتبعوا سننهم وسنن النصارى شبرا بشبر وذراعا بذراع في الضر دون النفع كما فصلناه في غير هذا الموضع قد اغتروا بدينهم كما اغتروا ، واتكلوا على لقب « الاسلام » ، ولقب « أمة خاتم الرسل » عليه الصلاة والسّلام ، ولكنهم لما يثوبوا إلى رشدهم ، لان الذين سلبوا ملكهم وعزهم لم يسوسوهم بشدة مربية كافية ، بل اجتهدوا في إفساد عقائدهم وأخلاقهم ، وايقاع الشقاق والتفريق فيما بينهم ، بل أفسدوا كذلك من لم يستولوا على ملكهم منهم ، بتوليهم التربية والتعليم لكثيرين منهم ، كانوا عونا لهم على ما يريدون من ثل عروشهم والسيادة عليهم بالتدريج كالعثمانيين والمصريين كما فصلناه في مواضع أخرى « 1 » ولا يزال هؤلاء المتفريجون المخربون يجدون في قتل هذه الأمة وهم يظنون أنهم يجددون ، ويفسدون عليها أمرها ويحسبون أنهم يصلحون ، ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) * * * ( 145 ) سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ

--> ( 1 ) أقربها مقالة « ماضي الأزهر وحاضره ومستقبله » في ج 9 من المنار م 25